ابن قيم الجوزية

18

شرح القصيدة النونية المسماة الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية

أو غيره واها : كلمة تقال اما للتعجب من الشيء أو للتلهّف والحسرة - الكثبان : جمع كثيب ، وهو التل من الرمل ، والسجع : شدو الطير وغناؤه - قطف : بكسر القاف بمعنى مقطوف . الشرح : يخاطب المؤلف بهذه الأبيات المحب الذي لا يرعى شروط المحبة ولا يعرف قدر محبوبه ، فهو مع ما يكابده من الوجد والشوق قد هانت عليه نفسه فلم يعطها حظها من وصل محبوبها لأنه باعه طائعا بأبخس الأثمان ، أعني بالصد والتعذيب والهجران ، وذلك لجهله بوصف ذلك المبيع وقدره وما يستحقه من غالي الأثمان . ثم يلتفت الشيخ متحسرا على ذلك القلب الهائم الذي استبد به الهيام ، فطيره لا يفارق تلك الأغصان القائمة على كثبانها ، ويديم الشدو والغناء فوقها ، ومع ذلك فهو محروم من ثمارها وقطوفها على حين يستمتع بها غيره ممن واتاهم الحظ بوصال ذلك المحبوب ، وهو كذلك يبيت ليله شاكيا باكيا يندب حظه ويتجرع قسوة الحرمان ، على حين يبيت ذو الوصل ضاحكا نشوان . ولكنه مع كل هذا الحرمان والعذاب في الحب فهو لا يسلو ولا يزال مفتونا بالجمال ، حتى أنه لو وجده معلقا بالثريا لما قعد عن الطيران إليه . للّه زائرة بليل لم تخف * عسس الأمير ومرصد السجان قطعت بلاد الشام ثم تيممت * من أرض طيبة مطلع الإيمان وأتت على وادي العقيق فجاوزت * ميقاته حلا بلا نكران وأتت على وادي الأراك ولم يكن * قصدا لها فألا بأن ستراني وأنت على عرفات ثم محسر * ومنى فكم نحرته من قربان وأتت على الجمرات ثم تيممت * ذات الستور وربة الأركان هذا وما طافت ولا استلمت ولا * رمت الجمار ولا سعت لقران المفردات : العسس : في الأصل مصدر عس إذا طاف بالليل : يحرس الناس ويكشف أهل الريبة ، المراد به هنا جماعة الحراس ، المرصد : مكان الرصد .